عماد الدين خليل
16
دراسة في السيرة
المستشرقون سلبية ناقصة ، ولن تقوم سيرة على النفي ، وليس من مقاصد كتابي أن يقوم على سلسلة من المجادلات المتناقضة . . . ومن دواعي الأسف أن كان الأب لامانس ، الذي هو من أفضل المستشرقين المعاصرين ، ومن أشدهم تعصبا ، وأنه شوّه كتبه الرائعة الدقيقة وأفسدها بكرهه للإسلام ونبي الإسلام فعند هذا العالم اليسوعي أن الحديث إذا وافق القرآن كان منقولا عن القرآن ، فلا أدري كيف يمكن تأليف التاريخ إذا اقتضى تطابق الدليلين تهادمهما بحكم الضرورة ، بدلا أن يؤيد أحدهما الآخر ؟ » « 1 » . وهذا يقودنا إلى موقف بعض المستشرقين من القرآن ، كمصدر أساسي من مصادر السيرة ، ذلك أن اعتماد القرآن في هذا المجال يمكن أن يعتبر سلاحا ذا حدين ، اعتمد جانبه الإيجابي مؤرخون كجواد علي وصالح أحمد العلي ومحمد عزة دروزة ، واعتمد الجانب السلبي مستشرقون كوات وشپرنجر ، وولفنسون ، وغيرهم ، وذلك بنفي الكثير من أحداث السيرة ، ما دامت لم ترد في القرآن الكريم ؛ وكأن القرآن كتاب تاريخي خاص بتفاصيل حياة محمد صلى اللّه عليه وسلم ! ! وهذا مكنهم من عملية انتقاء مغرضة ذات طابع سلبي معاكس ، وهي التشكيك ورفض كل رواية لا ترد مؤيداتها في القرآن ، إذا كان في هذه الرواية تمجيد للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو إذا كان في نفيها تأكيد لأحدى وجهات النظر الاستشراقية . فمثلا نجد Sprenger يرى أن اسم النبي ورد في أربع سور من القرآن هي آل عمران والأحزاب ومحمد والفتح ، وكلها سور مدنية ، ومن ثم فإن لفظة ( محمد ) لم تكن اسم علم للرسول قبل الهجرة ، وإنما اتخذه بتأثير قراءته للإنجيل واتصاله بالنصارى « 2 » ! ! وإذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد التقط اسم ( محمد ) من خلال قراآته لنبوآت الإنجيل فأين ذهب إذن ( محمد ) الحقيقي الذي بشر به العهدان القديم والجديد ؟ وهنالك مثل آخر ، إن إسرائيل ولفنسون يشير ، بصدد مهاجمة يهود بني النضير ، إلى أن مؤرخي العرب يذكرون سببا آخر لإعلان الحرب على هذه الطائفة اليهودية ذلك هو محاولتهم اغتيال الرسول صلى اللّه عليه وسلم « لكن المستشرقين - يقول ولفنسون ينكرون صحة هذه الرواية ويستدلون على كذبها بعدم وجود ذكر لها في سورة
--> ( 1 ) حياة محمد : المقدمة ص 8 ، 10 - 11 . ( 2 ) انظر جواد علي : تاريخ 1 / 78 وهوامشها .